الشيخ محمد رشيد رضا

251

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

بهم ، وإن كانوا شرا منهم فيما عدا هذا النوع من الشرك ، فربما ترى قوما يدعون الايمان باللّه ورسله كلهم أو بعضهم يعتمدون في قضاء حاجهم من شفاء مرض وسعة رزق ونصر على عدو وغير ذلك على التوسل ببعض الأنبياء والصالحين وذبح النذور لهم ودعائهم والطواف بقبورهم والتمسح بها ، وتجد آخرين ليس لهم مثل اعتقادهم وعملهم هذا وهم أحسن منهم صحة وأوسع رزقا وأعز ملكا ، وإذا قاتلوهم ينتصرون عليهم ويسودونهم ، وسبب ذلك أنهم يعرفون سنن اللّه في الأسباب والمسببات وان الرغائب إنما تنال بالاعمال مع مراعاة تلك السنن سواء كانوا يعلمون مع ذلك أن اللّه تعالى رب الخلق هو الخالق والواضع لنظام خلقه بتلك السنن ، وانه لا تبديل لسننه كما أنه لا تبديل لخلقه ، أم لم يكونوا يعلمون ذلك ولو استوى شعبان من الناس في الجري على هذه السنن الربانية للاجتماع الانساني في القوة والضعف والعز والذل والحرية والعبودية وكان أحدهما مؤمنا باللّه مستمسكا بوصاياه وهداية دينه والآخر كافرا به غير مهتد بوصاياه فلا شك في أن المؤمن المهتدي يكون أعز وأسعد في دنياه من الآخر كما أنه يكون في الآخرة هو الناجي من العذاب الفائز بالثواب ، ومن جهل مصداق ذلك في تواريخ الأمم القديمة لعدم ضبطها فامامه تاريخ الأمة الاسلامية واضح جلي ولكن أكثر المنتمين إلى الاسلام في هذا العصر يجهلون تاريخهم كما يجهلون حقيقة دينهم ، حتى أن كثيرا من حملة العمائم الدينية منهم يجهلون حقيقة التوحيد الذي بينته هذه الآيات بالاجمال بعد شرح السورة له بالتفصيل ، وربما يعد بعضهم الداعي اليه كافرا أو مبتدعا ، ويعتمدون في هذا على قوة أنصارهم من العوام الذين أضلوهم ، وهم غافلون عن عقاب اللّه لهم وعن كونهم صاروا فتنة للناس وحجة على الاسلام فاعداؤه يحتجون بجهلهم وسوء حالهم على فساد دينهم المسمى وإن لم يكن هو الاسلام الذي نزل به الآن بل ضده ، وأولياؤه الجاهلون يتسللون منه فرادى وثبات - كالتلاميذ - بما يظهر للذين يقتبسون علوم سنن الكائنات وعلم الاجتماع من مخالفته لها وانما المخالف لها بدعهم وتقاليدهم الخرافية . وأما دين اللّه في كتابه الآن فهو المرشد الأعظم لها ولو فهموه وعملوا به لكانوا أسبق إليها . واضرب لهم مثلا أهل مراكش : أنشأنا منذ أنشأنا المنار نذكرهم بآيات اللّه